عماظ الاخبارية

بقلم: العين السابق عبد الحكيم محمود الهندي

في زمن تتلاطم فيه أمواج الأزمات، وتتبدل فيه المواقف بتبدل المصالح، يقف الأردن كالسفينة التي تعرف وجهتها، فلا تفقد بوصلتها مهما إشتدت العواصف، ولا تتخلى عن ثوابتها مهما تعاظمت الضغوط. وفي هذه الصورة تتجلى حقيقة الدولة الأردنية، التي جعلت من الحكمة نهجا، ومن الثبات عنوانا، ومن التلاحم الوطني سياجايحمي مسيرتها في إقليم لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى

ليس التلاحم الوطني مجرد كلمات تُقال في المناسبات، ولا مشاعر عابرة تستحضرها الشعوب عند الشدائد، بل هو كالجذور الراسخة لشجرة الزيتون، تمتد عميقا في الأرض، وتمنحها القدرة على الصمود في وجه الرياح

وكلما اشتدت التحديات ظهرت قيمة هذه الجذور في تماسك المجتمع، وقدرته على حماية هويته الوطنية، والالتفاف حول المصالح العليا للدولة

ومن هنا، فإن ثبات الموقف الأردني تجاه القضايا الكبرى ليس موقفا طارئا تفرضه الظروف، بل هو إمتداد لرؤية سياسية تستند إلى مبادئ واضحة، وتوازن بين المصالح الوطنية والمسؤوليات العربية والإنسانية. فالمواقف الحقيقية لا تُقاس بعلو الأصوات، وإنما بصلابة المبادئ حين تتعرض للاختبار، وبقدرة أصحاب القرار على التمسك بالحق وسط ازدحام المصالح وتضارب الحسابات.

وتبقى القضية الفلسطينية في صدارة هذه الثوابت، بوصفها قضية حق وكرامة ووجود، لا يجوز أن تتحول إلى ورقة في سوق المساومات السياسية. وقد ظل الموقف الأردني يؤكد ضرورة إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، على أساس حل الدولتين. وهو موقف تدعمه إعتبارات تاريخية ووطنية وإنسانية، وتفرضه رؤية تعتبر أن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل الحقوق، بل على إحقاقها

إن الموقف الأردني، في هذا السياق، يشبه البوصلة التي تحافظ على اتجاهها وسط بحر متلاطم، فلا تضل الطريق بفعل الرياح، ولا تستبدل وجهتها كلما تغيرت حركة الأمواج فالحكمة السياسية لا تعني التراجع عن الثوابت، كما أن التمسك بالمبادئ لا يعني إغلاق أبواب الحوار؛ بل إن قوة الدولة تكمن في قدرتها على الجمع بين صلابة الموقف ومرونة الوسيلة، وبين وضوح الهدف وحسن إدارة الأزمات.

غير أن الموقف الرسمي، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة تسنده وتحميه. فالوطن كالبنيان، لا يستقيم بحجر واحد، ولا تصمد جدرانه إذا تصدعت أساساته. والقيادة والمؤسسات والمواطنون يشكلون حلقات مترابطة في منظومة الاستقرار الوطني، تتعزز قوتها بقدر ما تسود الثقة، ويترسخ احترام القانون، وتتقدم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والفئوية.

والتلاحم الوطني الحقيقي لا يعني أن يصبح المجتمع صوتًا واحدًا في كل التفاصيل، أو أن تختفي الاختلافات من ساحته، بل أن تكون هذه الاختلافات كتنوع أغصان الشجرة الواحدة، تتجه في مسارات مختلفة، لكنها تستمد قوتها من جذع واحد، هو الانتماء إلى الأردن والحرص على مستقبله. فالاختلاف المسؤول يثري الحياة العامة، أما تحويله إلى أداة للفرقة، فهو كالسوس الذي ينخر الخشب من الداخل، حتى يضعف البناء دون أن يشعر به أحد.

وفي زمن تتسارع فيه المعلومات، وتنتشر فيه الشائعات كالنار في الهشيم، يصبح الوعي الوطني خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع. فالإعلام المهني ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو مصباح يضيء الطريق أمام الجمهور، وميزان يفرق بين الحقيقة والتضليل، وجسر يصل المواطن بالمعلومة الدقيقة. ومن هنا، تبرز أهمية الكلمة المسؤولة التي تبني ولا تهدم، وتناقش ولا تحرض، وتكشف الحقائق دون أن تنجر إلى المزايدات أو الحسابات الضيقة.

كما أن الانتماء الوطني لا يكتمل بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى عمل جاد، وإنتاج، وعدالة في الفرص، وثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالوطن ليس خريطة نعلقها على الجدران، بل بيت كبير تتوزع مسؤولية حمايته على أبنائه جميعًا. وكل جهد صادق في خدمة المجتمع، وكل موقف يرفض الفساد، وكل ممارسة تحترم القانون، تمثل لبنة جديدة في بناء الدولة وتعزيز منعتها.

ولأن الأردن يعيش في محيط إقليمي شديد التعقيد، فإن الحفاظ على استقراره يتطلب وعيًا يتجاوز ردود الأفعال، وقراءة تدرك أن الأزمات لا تُواجه بالانفعال وحده، وإنما بالحكمة والتخطيط ووحدة الصف. فالعواصف قد تضرب الشجرة، لكنها لا تقتلعها ما دامت جذورها ثابتة، وكذلك الدول التي تستند إلى مجتمع متماسك ومؤسسات راسخة وقرار وطني مسؤول.

إن الرهان على التلاحم الوطني ليس دعوة إلى الصمت، ولا مطالبة بتعليق النقد، بل هو دعوة إلى جعل الاختلاف وسيلة للإصلاح، والحوار طريقًا للتفاهم، والمواطنة أساسًا جامعًا لا تفرقه الحسابات الضيقة. فالدولة القوية هي التي تستوعب آراء أبنائها، وتعالج مواطن الخلل، وتمنح الأمل للأجيال، وتبني مستقبلها على الثقة والعمل والإنجاز.

وفي المحصلة، فإن الأردن لا يستمد قوته من موقعه الجغرافي وحده، ولا من تاريخه ومواقفه فحسب، بل من تماسك أبنائه وإيمانهم بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأزمات، وأسمى من المصالح العابرة. فالتلاحم الوطني هو الدرع الذي يحمي الجبهة الداخلية، وثبات الموقف هو البوصلة التي تحفظ الاتجاه، والحكمة هي الجسر الذي يعبر بالدولة من ضفة التحديات إلى ضفة الاستقرار.

سيبقى الأردن، ما دام أبناؤه متماسكين وثوابته راسخة، كالسنديانة التي تضرب جذورها في عمق الأرض، فلا تنحني لكل ريح، ولا تفقد اخضرارها في وجه الفصول القاسية. فالأوطان لا تصمد بقوة حجارتها وحدها، بل بقوة الروابط التي تجمع أبناءها، ولا تحفظ مكانتها بارتفاع صوته

ا، بل بوضوح موقفها وصدق انتمائها وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للصمود والبناء.