*فاجعة كنيسة حمود في الكرك.. الأعراض الانسحابية للتطرف*
بقلم / المستشار الأمني فيصل شديفات
*فاجعة كنيسة حمود في الكرك.. الأعراض الانسحابية للتطرف*
عكاظ الاخبارية
بقلوب يعتصرها الألم، نتقدّم بخالص العزاء إلى ذوي شهداء الاعتداء الذي استهدف كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك، سائلين الله أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
إن المسيحيين في الأردن مكوّن أصيل من نسيجه الوطني، وشركاء في تاريخه وبناء دولته. والاعتداء عليهم هو اعتداء على الأردن بأكمله؛ فالمصاب واحد، والوطن واحد، والدم الأردني لا تختلف قيمته باختلاف العقيدة.
لكن واجبنا لا يقتصر على إدانة الجريمة، بل يمتد إلى تفكيك الفكر الذي يشرعن العنف، وفهم التحولات التي قد تطرأ على أنماط التطرف، خصوصًا بعد انحسار التنظيمات المسلحة.
من التنظيمات إلى الأفراد.. تحوّل في طبيعة التهديد
إن استحضار أحداث قلعة الكرك والفحيص والسلط، والنظر إلى حادثة كنيسة حمود، يطرح سؤالًا مهمًا: هل ينتهي التهديد بانحسار التنظيمات التي تبنّت الفكر المتطرف، أم أن بعض أفكارها تبقى لدى أفراد قد يتحركون بصورة مستقلة؟
لا يعني تشابه بعض المظاهر أن هذه الحوادث متطابقة في دوافعها أو ارتباطاتها؛ فذلك تحسمه التحقيقات. لكن هذه المقارنة تفتح المجال لدراسة ظاهرة «الذئاب المنفردة»، أي الأفراد الذين قد ينفذون أعمالًا إرهابية دون توجيه تنظيمي مباشر.
وأربط هذه الظاهرة بما أسميه «استراتيجية السمك الصحراوي»، وهي استعارة تحليلية أقصد بها صعوبة توقّع توقيت التهديد وشكله ومساره. فحين يصبح التنفيذ فرديًا، قد لا تكون مراقبة التنظيمات وحدها كافية لفهم الخطر، بل يصبح من الضروري دراسة ما بقي من أفكارها داخل الأفراد.
أما اختلاف وسائل التنفيذ من حادثة إلى أخرى، فلا يكفي للجزم بأسباب محددة أو بوجود نمط موحّد؛ إذ ينبغي أن تستند هذه الاستنتاجات إلى الأدلة، لا إلى الافتراضات.
«الأعراض الانسحابية للتطرف».. حين تبقى الفكرة بعد سقوط التنظيم
أطرح مفهوم «الأعراض الانسحابية للتطرف» بوصفه فرضية تحليلية للنقاش، لا تشخيصًا نفسيًا أو مصطلحًا علميًا معتمدًا. وأقصد به الحالة التي قد يفقد فيها الفرد ارتباطه بالتنظيم الذي احتضن أفكاره، بينما يحتفظ بالقناعات التي تبرر العنف وتمنحه شعورًا زائفًا بالحق في استباحة الآخرين.
فانحسار التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق لا يعني بالضرورة انتهاء الفكر الذي حملته. وقد يتراجع النشاط التنظيمي دون أن تحدث مراجعة فكرية حقيقية لدى بعض الأفراد.
وهنا يكمن التحدي: التمييز بين من تخلّص فعلًا من الفكر المتطرف، ومن توقف عن التعبير عنه دون أن يتخلى عن قناعاته. وهذا لا يعني أن كل من تبنّى أفكارًا متشددة سيتحول إلى إرهابي، بل إن العلاقة بين الفكر والسلوك معقدة وتحتاج إلى دراسة دقيقة.
إن سقوط التنظيم لا يكفي وحده لإسقاط الفكرة؛ ولذلك يجب أن تتكامل المواجهة الأمنية مع برامج إعادة التأهيل، والمراجعات الفكرية، ومواجهة خطاب التكفير والكراهية، وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية.
استهداف الكنيسة.. اعتداء على الأردن
إن استهداف دور العبادة، إذا ثبت أن الدافع وراءه ديني أو طائفي، يتجاوز الاعتداء على الأفراد إلى تهديد حق المواطنين في العبادة والأمان، ومحاولة المساس بالثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
فالمسيحيون الأردنيون ليسوا ضيوفًا على الوطن، بل شركاء أصيلون في تاريخه ومستقبله. وكما لا يجوز استهداف المسلم بسبب دينه، لا يجوز استهداف المسيحي بسبب عقيدته. فالمواطنة تقوم على الحقوق المتساوية وسيادة القانون، لا على التصنيف الديني أو المذهبي.
ومن هنا، فإن مواجهة التطرف لا تكون بالملاحقة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل أيضًا بتفكيك المبررات الفكرية التي تحوّل الاختلاف إلى عداوة، وتمنح العنف غطاءً زائفًا. كما تتطلب تعاونًا مجتمعيًا مسؤولًا يستند إلى المعلومات الموثوقة، ويرفض الشائعات والتعميم والاشتباه القائم على الهوية.
الأردن أكبر من محاولات الفتنة
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فرد يحمل السلاح، بل في الفكرة التي تجعله يرى قتل الأبرياء فعلًا مبررًا. وقد يتحرك الذئب المنفرد خارج التنظيم، لكن قناعاته قد تكون امتدادًا لخطاب متطرف أوسع لم يخضع للمراجعة والتفكيك.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: كيف نمنع الجريمة المقبلة؟ بل أيضًا: كيف نمنع الأفكار التي تشرعنها من البقاء والتجدد؟
رحم الله شهداء الوطن في كنيسة حمود، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن آمنًا موحدًا، مسلميه ومسيحييه.
فالمعركة الحقيقية تنتهي حين تسقط الفكرة التي تجعل العنف عقيدة، وقتل المختلف مبررًا، والانتماء الديني سببًا للعداء.
حمى الله الأردن أرضًا وشعبًا، وأدام بين أبنائه المحبة والأخوّة والوحدة الوطنية.
ما رأيك في هذا الخبر؟
قراءات ذات صلة
عقيدة الصخرة وجحيم الوهم: حين تنكسر خيانة الغدر على وعي الأردنيين
العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي
التلاحم الوطني وثبات الموقف الأردني تجاه القضايا الكبرى
بقلم: العين السابق عبد الحكيم محمود الهندي